[ad_1]
في خطوة تحاكي دقة لعب الشطرنج الاستراتيجي، حيث توضع القطع في مواقعها لتحصين المكاسب وردع التهديدات، أظهر تعيين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله للسيد عبد الحميد الشنوري عاملا على إقليم بركان خلفا للسيد محمد علي حبوها الذي عين عاملا على إقليم سطات، خلال المجلس الوزاري المنعقد أمس الاثنين، براعة المؤسسة السيادية في هندسة التوازن الدقيق بين “الذكاء الأمني” و”الذكاء الترابي”، ليست سيرة الشنوري (عامل إقليم خريبكة سابقا) والي أمن تطوان السابق ورئيس جهاز الاستعلامات العامة مجرد تسلسل وظيفي، بل هي نموذج لعقلية أمنية متطورة تعيد تعريف مفهوم المسؤول الترابي، فخبرته في تدبير ملفات أمنية معقدة بتطوان ذات الحساسية المتوسطية، وإدارته لجهاز استعلاماتي يعمل كـرادار استباقي، تؤهله لتحويل إقليم بركان من مجرد منطقة حدودية إلى “مختبر للسيادة الذكية”، خصوصا أن السيد محمد علي حبوها قد مهد له الطريق بإحداث قسم الحكامة الرقمية الترابية المندمجة، وجهاز الحكامة الرقمية الذكية “مجال بركان”، هنا، تتحول الحدود من خط جغرافي إلى فضاء ديناميكي تدار فيه التهديدات عبر معادلة ثلاثية، المراقبة بالذكاء الاصطناعي، التحليل الاستعلاماتي للبيانات الضخمة المضمنة للنظام المعلوماتي الجغرافي المندمج، وإشراك المجتمع المدني في مسار الأمن الوقائي.
إقليم بركان… عندما تتحول الجغرافيا إلى جيوستراتيجيا ناعمة
لا يختزل إقليم بركان في كونه منطقة أو إقليما حدوديا مع الجزائر، بل هو نقطة تقاطع لمخاطر متشعبة تنطلق من التهريب العابر للحدود، الحركات الانفصالية المحتملة، والصراع الجيوسياسي حول الصحراء المغربية، لكن التعيين الجديد يشير إلى رؤية مغايرة، فبدلا من تغليف المنطقة بالأسلاك الشائكة والتحركات العسكرية الصاخبة، تعتمد المملكة المغربية على الأمن الهادئ الذي يجمع بين الاستعلام الاقتصادي الذي من شأنه تحويل المنطقة الحدودية إلى قاطرة تنموية لتجفيف منابع الإجرام، وبين الدبلوماسية المجتمعية التي تستند بالأساس على إشراك الساكنة الحدودية في المراقبة عبر تعزيز الثقة بين السلطة الترابية والمجتمع المحلي… ثم مسألة مهمة تتمثل في الدمج التكتيكي عبر إقرار التكنولوجيا كحارس حدودي من خلال استخدام المسيرات المدنية وتفعيل قاعة المراقبة الذكية الذين يندرجان ضمن المخطط الاقليمي للحكامة الرقمية… إن المفارقة التي يكشفها تعيين الشنوري هي أن “الحاكم الترابي أو المسؤول الترابي” في القرن 21 لم يعد مُجرد مسؤول بيروقراطي، بل هو رئيس جهاز تنفيذي مصغر، تقوم أدواره على الأمن الشمولي، فعامل صاحب الجلالة الجديد على إقليم بركان مطالب بتفكيك مهامه وأدواره خصوصا التي دقق في مضامينها الفصل 145 من دستور المملكة المغربية، كما يستوجب عليه توظيف الذكاء العاطفي في إدارة وتدبير الأزمات الإقليمية، الاستناد الى العقل التحليلي في رصد تحركات التنظيمات والأفراد عبر الحدود، استحضار البصيرة الاقتصادية لربط الأمن العام بالإقلاع الاجتماعي والاقتصادي… فهذا التمازج النادر يجيب على سؤال جوهري مفاده كيف تدير دولة ما حدودها في زمن تنتشر فيه التهديدات غير التقليدية كالجرائم السيبرانية والتنظيمات المشبوهة؟ الجواب واضح وهو حينما تحسن المؤسسة السيادية اختيار مسؤولين ترابيين يحسنون اللعب على كل المفاتيح… لذلك فتعيين الشنوري ليس مجرد تغيير عابر على رأس هرم الإدارة الترابية بإقليم بركان، بل هو إعلان عن فلسفة جديدة شعارها لا أمن بلا تنمية، ولا تنمية بلا ذكاء استعلاماتي، المؤسسة السيادية هنا تعيد تعريف اللعبة حسب قوانين جديدة، فبدلا من مواجهة التهديدات الحدودية بالردع العسكري والاستخباراتي، تختار مسؤولا يزرع الأمن في التربة الاجتماعية نفسها، مستندا في ذلك على التطورات المعاصرة في مجال تحليل النظم والبيانات الضخمة، الحكامة التشاركية والمشاركة المجتمعية المواطنة… إقليم بركان اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل هو نموذج مصغر لسياسة المملكة المغربية في تأمين حدودها، بالعقل أولا، وبوسائل أخرى عند الضرورة القصوى…
[ad_2]
المغربي almaghribi – أخبار المغرب : المصدر
